عماد الدين خليل

61

دراسة في السيرة

وكان أبو فكيهة المسمى ( أفلح ) عبدا لصفوان بن أمية ، فمر به أبو بكر وقد أخذه أمية بن خلف فربط في رجله حبلا وأمر به فجرّ ثم ألقاه في الرمضاء . . وجعل يغلظ عليه ويخنقه ومعه أخوه أبيّ بن خلف يقول : زده عذابا حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره ، ولم يزل على تلك الحال حتى ظنوا أنه قد مات ، ثم أفاق فاشتراه أبو بكر وأعتقه « 1 » . وكانت زنيرة قد عذبت حتى عميت ، فقال لها أبو جهل : إن اللات والعزى فعلتا بك ما ترين ، فقالت وهي لا تبصره : وما تدري اللات والعزى من يعبدهما ممن لا يعبدهما ، ولكن هذا أمر من السماء . . فاشتراها أبو بكر وأعتقها . وكانت النهدية أمة لامرأة من بني عبد الدار وكانت تعذبها وتقول : واللّه لا أقلعت عنك أو يعتقك بعض من صباتك فابتاعها أبو بكر وأعتقها . وكانت أم عنيس أمة لبني زهرة فكان الأسود بن عبد يغوث يعذبها فابتاعها أبو بكر وأعتقها « 2 » . وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه ، إذا حميت الظهيرة ، يعذبونهم في رمضاء مكة ، فيمر بهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيقول : صبرا آل ياسر ، موعدكم الجنة ! ! وقتلت أمه وهي تأبى إلا الإسلام فكانت أول شهيدة في الإسلام ، ويقال إنها أغلظت لأبي جهل في القول فطعنها في بطنها . . وكان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول « 3 » . . وجيىء بخباب بن الأرت فجعلوا يلصقون ظهره بالأرض على الرضف حتى ذهب ماء متنه ، فجاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يوما يشكو ما أصابه فقال له الرسول صلى اللّه عليه وسلم : لقد كان الرجل من قبلكم يمشط بأمشاط الحديد حتى يخلص إلى ما دون عظمه من لحم وعصب ، ويشق بالمناشير ، فلا يرده ذلك عن دينه وأنتم تعجلون . واللّه ليمضين هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللّه وحده ، والذئب على غنمه « 4 » . ويحدثنا خباب نفسه فيقول : لقد رأيتني يوما وقد أوقدوا لي نارا ثم سلقوني فيها ، ثم وضع رجل رجله على صدري ، فما أتيت الأرض إلا بظهري ( ثم كشف خباب عن ظهره فإذا هو قد برص ) ، ولولا أني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ( لا يتمنين أحدكم الموت ) لتمنيته « 5 » ! ! .

--> ( 1 ) البلاذري : أنساب 1 / 194 - 195 . ( 2 ) المصدر السابق 1 / 196 . ( 3 ) المصدر السابق 1 / 158 - 159 . ( 4 ) المصدر السابق 1 / 176 . ( 5 ) المصدر السابق 1 / 178 .